محمد بن جرير الطبري

229

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وأما قوله : والله يحكم لا معقب لحكمه يقول : والله هو الذي يحكم فينفذ حكمه ، ويقضي فيمضي قضاؤه ، وإذا جاء هؤلاء المشركين بالله من أهل مكة حكم الله وقضاؤه لم يستطيعوا رده . ويعني بقوله : لا معقب لحكمه : لا راد لحكمه ، والمعقب في كلام العرب : هو الذي يكر على الشئ ، وقوله : وهو سريع الحساب يقول : والله سريع الحساب يحصي أعمال هؤلاء المشركين لا يخفى عليه شئ ومن وراء جزائهم عليها . القول في تأويل قوله تعالى : ( وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار ) يقول تعالى ذكره : قد مكر الذين من قبل هؤلاء المشركين من قريش من الأمم التي سلفت بأنبياء الله ورسله فلله المكر جميعا يقول : فلله أسباب المكر جميعا ، وبيده وإليه ، لا يضر مكر من مكر منهم أحدا إلا من أراد ضره به ، يقول : فلم يضر الماكرون بمكرهم إلا من شاء الله أن يضره ذلك ، وإنما ضروا به أنفسهم لأنهم أسخطوا ربهم بذلك على أنفسهم حتى أهلكهم ، ونجى رسله : يقول : فكذلك هؤلاء المشركون من قريش يمكرون بك يا محمد ، والله منجيك من مكرهم ، وملحق ضر مكرهم بهم دونك . وقوله : يعلم ما تكسب كل نفس يقول : يعلم ربك يا محمد ما يعمل هؤلاء المشركون من قومك وما يسعون فيه من المكر بك ، ويعلم جميع أعمال الخلق كلهم ، لا يخفى عليه شئ منها . وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار يقول : وسيعلمون إذا قدموا على ربهم يوم القيامة لمن عاقبة الدار الآخرة حين يدخلون النار ، ويدخل المؤمنون بالله ورسوله الجنة . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته قراء المدينة وبعض أهل البصرة : وسيعلم الكافر على التوحيد . وأما قراء الكوفة فإنهم قرأوه : وسيعلم الكفار على الجمع . والصواب من القراءة في ذلك القراءة على الجمع : وسيعلم الكفار لان الخبر جرى قبل ذلك عن جماعتهم ، وأتبع بعده الخبر عنهم ، وذلك قوله : وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك وبعده قوله : ويقول الذين كفروا لست مرسلا . وقد ذكر أنها في قراءة ابن مسعود : وسيعلم الكافرون ، وفي قراءة أبي : وسيعلم الذين كفروا وذلك كله دليل على صحة ما اخترنا من القراءة في ذلك . القول في تأويل قوله تعالى :